اليمني _ al yemeni
Dec 30 | 8:26PM
أعياد عيد الميلاد بعدن: مسيحيون بلا دور عبادة
ابتهال الصالحي - عدن

اضطر مسيحيو عدن إلى الاحتفال بمناسبة عيد الميلاد في منازلهم، فكنائس عدن تعرضت إما لقصف أو اعتداءات أو أعمال عنف، ما دفع كثير من المسيحيين إلى الهرب خارج البلاد.


كنائس6

“و. ع.” مواطن يمني، اعتنق الديانة المسيحية، تعين عليه الاحتفال بمناسبة عيد الميلاد في منزله، كما يقول صديقه لــ “اليمني”. حتى “أنه بات يتكتم على دينه ويمارس صلواته في المنزل، خوفاً على حياته. لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لـ “ص .ع”، إذ أصبح المسيحيون في عدن يمارسون شعائرهم الدينية مجتمعين كل أسبوع في بيت واحد منهم؛ بخاصة بعد أن تم إقفال معظم الكنائس الأربعة بعدن أبوابها أمام مرتاديها، ماعدا الكنيسة الكاثوليكية في منطقة البنجسار بمديرية التواهي (التابعة لمدينة عدن)، التي صمدت حتى مطلع هذا العام، واقتصر نشاطها على عقد قران المسيحيين أو تعميد أبنائهم، بعد أن تحول جزء كبير من هذه الكنيسة إلى مدرسة ومركز طبي، كما يقول أحد الشخصيات والعاملة في المنظمات الحقوقية.

تعد عدن جنوب اليمن، المدينة الوحيدة بين المدن اليمنية، بل ومدن شبه الجزيرة العربية، التي تتفرد بوجود معالم تاريخية ذات أهمية تتصل بكل العصور، حيث احتضن ترابها “الكنائس والمعابد المسيحية واليهودية والهندوسية”، لتبقى شواهد تذّكر بهذا التنوع والذي يصارع حالياً من أجل البقاء، بعدما صار أحد أهداف الحرب التي دارت في عدن مؤخراً، بين القوات الحكومية المؤيدة للرئيس عبدربه منصور هادي من جهة، والقوات الموالية للرئيس السابق صالح والحوثيين من جهة أخرى.

عدن … مدينة التسامح

في الماضي، شكلت مدينة عدن حالة فريدة في التعايش والتنوع، ضم كيانات إنسانية متعددة، رغم اختلاف معتقداتهم، ولعل الموقع الاستراتيجي للمدينة والمفتوح على البحر، لعب دوراً محورياً عبر التاريخ، في فتح شهية الإمبراطوريات الاستعمارية كانت أخرها البريطانية التي استعمرتها 129 عاماً، والتي عملت على تهيئتها لأن تكون نقطة التقاء بشري تجمع بين جنسيات مختلفة من العالم.

وقد مثلت عدن تعايشاً فريداً مع الآخر، فقد تجاورت في أحياء المدينة منازل المسلمين والمسيحيين واليهود والطوائف والملل الأخرى، في شوارع احتضنت الجميع خلال القرنين الماضيين، بل سميت بعض شوارعها بشارع الهنود، أو شارع اليهود، او شارع الصومال، حسبما يقول عارف إسماعيل، نائب مدير عام مكتب الأوقاف والإرشاد بعدن. يضيف عارف لــ “اليمني”: أنه “لم يكن هناك فرق بين المواطن المسلم أو المسيحي أو اليهودي وحتى الهندوس منهم، ولكن ما حدث في السنوات القليلة الماضية بسبب جهل وقلة وعي وسياسة طبقت لتضييق الخناق على الأقليات غير المسلمة أدت إلى نزوح العديد منهم إلى خارج اليمن، وأن مكتب الأوقاف يقتصر دوره، فيما يخص الطوائف غير المسلمة، على منح التراخيص للقساوسة بمزاولة عملهم، وأنهم يسعون بكل الطرق لخلق روح التسامح والتعايش في المدينة من خلال توجيه أئمة المساجد إلى إلقاء خطب تصب في هذا الشأن.”

كنيسة1

ولكن، وعلى أرض الواقع، تصارع عدن اليوم، ليس للحفاظ على معالمها التاريخية من دور العبادة (كنائس ومعابد) فحسب، بل والأهم من ذلك للحفاظ على تعايش الأديان فيها. فمؤخراً شهدت المدينة أحداثاً استهدفت الكنائس عقب سيطرة قوات الشرعية وتطبيع الحياة في المدينة الخارجة من حرب استمرت قرابة أربعة أشهر. إذ أقدمت عناصر مسلحة في 31 تموز/يوليو 2015 – قيل إنها تتبع جماعة متشددة دينياً- على اقتحام كنيسة البنجسار الكاثوليكية، والتي يعود تاريخ بنائها إلى منتصف القرن الماضي، حيث حطم المتشددون الصليب ورأس البابا، وتعدى الأمر لمحاولة تفجيرها لولا تصدي شباب المقاومة الجنوبية والحيلولة دون تمكنهم من ذلك.

استهداف دور العبادة المسيحية

يتكرر المشهد مرة أخرى باستهداف كنائس عدن ليكون الدور على مدينة كريتر، ففي 16 أيلول/سبتمبر 2015 أحرق ملثمون مجهولون كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية الواقعة في حي البادري بالمدينة القديمة.

استهداف كنيسة القديس يوسف لم يكن الأخير، فقد أقدم مسلحون ملثمون في الثامن من كانون أول/ديسمبر 2015 على تفجير كنيسة كاثوليكية مهجورة في حي “حافون” بمنطقة “المعلا”. ما أدى إلى انهيار سقفها وتصدع الجدران فيها، المسلحون لاذوا بالفرار عقب التفجير، وفي اليوم التالي تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على أحد منفذي عملية التفجير.

مسؤولون أمنيون بعدن أشاروا إلى أن استهداف الكنائس لا يعني بالضرورة أن دور العبادة لغير المسلمين هي المستهدفة تحديداً، ولكن بسبب الانفلات الأمني الذي تعاني منه المدينة الخارجة حديثاً من الحرب، مؤكدين أن أطرافاً لا تريد لعدن الاستقرار، تهدف إلى تشويه سمعة المدينة والتعايش السلمي بين أفرادها، وأنه حتى المسلمون باتوا مستهدفين.

غير أن كنائس عدن نالت نصيبها من قذائف طيران التحالف أيضاً، إذ أفادت وكالة فيديس الفاتيكانية، أن كنيسة الحبل بلا دنس الكاثوليكية الواقعة في منطقة التواهي، سبق وتعرضت لقصف من قبل طائرات التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ما ألحق بها أضراراً جسيمة، لكنها لم تُدمّر بالكامل، وبحسب الوكالة ذاتها، فإن الكنيسة قد احتلت في وقت سابق من قبل الحوثيين، وربما كان ذلك سبب استهداف التحالف للكنيسة.

ليست الهجمات التي طالت الكنائس، والتي تكررت مؤخراً، هي السبب الوحيد الذي عكر حياة الأقلية المسيحية في عدن، فبعد قيام الوحدة اليمنية بدأ تضييق الخناق على المسيحيين المقيمين في عدن سواء ممن يحملون الجنسية اليمنية أو من الجاليات الأجنبية، إذ لم يُسمح لهم بإقامة الشعائر الدينية بحرية فيما تبقى من كنائس مؤهلة لاستقبالهم وتأدية الصلوات فيها.

فرار المسيحيين من عدن

“عيسى إبراهيم”، أحد المواطنين الساكنين بالقرب من الكنيسة، يقول لـ “اليمني”: “مع بدء الحرب غادر القائمون على الكنيسة من الجالية الأثيوبية مدينة عدن بسبب الوضع الأمني المتدهور، حالهم حال كل الجاليات الأجنبية”.

دور العبادة من كنائس ومعابد تتبع في إدارة شؤونها إلى القنصلية البريطانية بعدن، وهي المسؤولة عنها مسؤولية تامة، وبسبب إقفال كل القنصليات بعدن، ومنها البريطانية، لم نستطع التوجه إليها وسؤالها عن دورها في توفير حرية ممارسة شعائر العبادة في هذه الكنائس.

يقول عارف إسماعيل إنه “خلال العام الماضي أعلن قرابة 70 فرداً إسلامهم في مكتب الأوقاف بعدن، بل إن المكتب استقبل ثلاث فتيات يمنيات من أصول هندية قدموا من مدينة تعز ليعلن إسلامهن بعد أن كن يعتنقن الهندوسية. وفي هذا السياق أوضح إسماعيل أن عدن هي المدينة الوحيدة التي كان فيها معبد هندوسي في المدينة القديمة بحي الخساف، الذي كان مقصداً لكل الهندوس في المدن اليمنية، ولايزال أثره باقياً حتى اليوم. ويأسف إسماعيل للحوادث التي استهدفت الكنائس مؤخراً.

كنائس 5

إحصائيات عن المسيحيين في اليمن

حتى الآن لا تتوفر إحصائيات رسمية دقيقة عن أعداد المسيحيين في اليمن. لكن محمد النعماني، الخبير المتخصص في الجماعات الدينية وشؤون الأقليات، يقول إنه حصل على معلومات مفادها أن عدد المسيحيين اليمنيين يصل إلى 2500 شخص، وأن هناك 700 مسيحي منهم يعيشون خارج اليمن .
ووفقاً للنعماني فإن “المسيحيين يمارسون شعائرهم الدينية كمجموعات كل أسبوع في بيت أحد المؤمنين المسيحيين، سواء كان يمنيًّاً أو أجنبيًّاً.”
بالمقابل أشارت مصادر في الأمم المتحدة وقاعدة بيانات المسيحية العالمية أن عدد مسيحيي اليمن يصل إلى 41,000 نسمة ويعيش في اليمن ما بين 15 إلى 25 ألف مسيحي أجنبي، أغلبهم من لاجئي إثيوبيا وإريتريا والصومال، إضافة إلى طلاب أجانب مقيمين مؤقتًا وعمال آسيويين وأعضاء بعثات دبلوماسية.
كما توجد منظمات ومؤسسات مسيحية في عدد من المدن اليمنية ، منها البعثة المعمدانية الأمريكية، التي تمتلك مستشفى جبلة التابع لها والكنيسة الملحقة بالمستشفى بصورة قوية ويمتد نشاطها إلى محافظة تعز تحت شعار الاهتمام بالفقراء ودور الأيتام وسجون النساء.
وتشير إحدى الدراسات إلى وجود 5 كنائس في مدينة عدن جنوب البلاد، 3 منها للروم الكاثوليك، وواحدة إنجيلية، والخامسة لم تعرف هويتها. وأشارت الدراسة إلى أن 3 من تلك الكنائس التي بنيت في زمن الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن قد أهملت لاحقاً، ولم يتم ترميمها، فيما باتت الرابعة ضمن ملكية الحكومة وتحولت الخامسة إلى مرفق صحي.

وبحسب الدراسة نفسها، فإن اليمن تصدر تأشيرات إقامة للقساوسة ليتمكنوا من توفير الاحتياجات الدينية لجاليتهم، لكنها لا تحتفظ بسجلات تبين الهوية الدينية للأفراد، وليس هنالك قانون يطالب الجماعات الدينية بتسجل نفسها لدى الدولة. وبعد اندلاع الحرب الاخيرة أشارت تقارير صحفية عن مغادرة الكثير من المسيحيين الأجانب من اليمن.

المسيحيون والسياسة

لم تشارك الأقليات الدينية والمذهبية في مؤتمر الحوار الوطني في اليمن؛ وقد اكتفتْ بمراقبة المشهد عن بُعد، بل وتشير القرارات الصادرة عن هذا المؤتمر إلى عدم الاعتراف الصريح بوجودها، ففي المادة (183) من تقرير فريق الحقوق والحريات يجد المرء النص التالي: “تلتزم الدولة باتخاذ تدابير تشريعية لتعزيز الحريات الأساسية والحقوق السياسية للمواطنين المنتمين للأقليات (إن وجدت)”. وكلمة “إن وجدتْ” توحي بتشكيك واضح في وجود الأقليات، رغم أن وجودها ليس فيه أي مجال للشك.

لم يخلُ مؤتمر الحوار من إشارات إيجابية بخصوص الحريات الدينية ، فالمادة (78) من تقرير فريق الحقوق والحريات تنصُ على أنّ: “ممارسة الشعائر الدينية حق مكفول لكل المواطنين بقوة الدستور، ويجرم كل فعل من شأنه المنع أو الفرض أو الانتقاص أو الازدراء بهذا الحق”، كما تؤكد المادة (137) على “حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل مواطن بحسب دينه ومعتقده ومذهبه”.

وبالرغم من أن “و. ع.” و “ص .ع” لم يتمكنا في هذا العام من ممارسة شعائرهما الدينية في إحدى كنائس عدن، إلا أنهما يأملان أن يتمكنا من ذلك في العام القادم، وأن تعود عدن مدينة التسامح كما كانت في الماضي.