اليمني _ al yemeni
Dec 28 | 3:34PM
“كلنا أمن عدن” تحالف ولد من مأساة عدن بعد الحرب
ابتهال الصالحي – عدن

أسست شابات من عدن مبادرة بسيطة، ما لبثت أن تحولت إلى تحالف واسع يضم عدد من منظمات المجتمع المدني الفاعلة في المدينة. وقد تحول هذا التحالف إلى رمز لعدن في فترة قصيرة، يحظى بدعم كثيرين.

عدن9

تعددت مشاهد المظاهر المسلحة في مدينة عدن، مثل الاستيلاء على الممتلكات الخاصة والعامة، والانفلات الأمني وأعمال السطو المسلح والقتل خارج إطار القانون وغيرها من المظاهر التي أقلقت سكان عدن، ومن بينهم 10 فتيات لا ينتمين إلى أي فصيل سياسي أو حزبي؛ شابات عاديات جمعهن حب المدينة والشعور بالمسؤولية تجاهها، كونً مبادرة صغيرة اسموها “رأي عام”، كانت تدعو إلى مناصرة قضايا الانتهاكات التي تحدث في المدينة الخارجة من حرب ضروس.

من أمام فندق القصر مقر إقامة الحكومة بعدن كانت البداية بعد أن دعت هذه المبادرة لوقفة احتجاجية تضامناً مع مبنى النقابة الذي تعرض للسطو. وتحت أشعة الشمس وقفت مجموعة من الإعلامين وشباب من عدة مبادرات ينددون بالسطو على مقر نقابة الصحفيين بعدن من قبل مجموعة مسلحين حولوا مقر النقابة إلى سكن شخصي وشرعوا بالبناء في فنائه.

حلم يتحول إلى حقيقة

أدركت فتيات مبادرة “رأي عام” أنهن لن يستطعن فعل شيء لوحدهن، فولدت فكرة بناء تحالف “كلنا أمن عدن”، وبخاصة وأن هذا الفترة شهدت مدينة عدن في جنوبي اليمن تأسيس عدد من منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية، التي أخذت على عاتقها العمل في عدة مجالات مثل توعية المجتمع ودعم أعمال إغاثة ورصد الانتهاكات وغيرها من الاعمال التطوعية التي تهدف إلى إعادة المدينة إلى ألقها، واستتباب الأمن ومناهضة الظواهر السلبية التي ظهرت من حمل السلاح بين أوساط الشباب وأعمال البلطجة أو تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة وغيرها.

من بين هذه المبادرات المجتمعية برز تحالف “كلنا أمن عدن”، وهو مكون شعبي نوعي يضم أكثر من 30 مكوناً شبابياً من “مبادرات، منظمات، مؤسسات”، بالإضافة إلى شخصيات اجتماعية أخذت على عاتقها كل المواضيع الخاصة المتعلقة بأمن عدن.

انتصار العلوي رئيسة التحالف وعضو في مبادرة “رأي عام” تقول لــ “اليمني”: “انبثقت أول نواة للتحالف في 20 تشرين أول/أكتوبر 2015 بعد استشعار الكثير من منظمات المجتمع المحلي والشباب الفاعل فيه خطر انتشار بوادر الانفلات الأمني وما يترتب عليه من خطر محدق بالمدينة التي خرجت للتو من حرب استمرت قرابة أربعة أشهر، واجتمعوا على تكوين تحالف شبابي واسع يتكون من الشباب الوطني الفاعل من مختلف المكونات والتوجهات، إضافة إلى شخصيات اجتماعية مؤثرة في المجتمع المحلي يجمعهم حب مدينة عدن ويسعون لتسخير كل جهود مكوناتهم وإمكانياتهم في خدمة هذه المدينة وترسيخ قيم التعايش وتطبيع الأمن فيها.”

وأضافت العلوي أنهم في التحالف “يسعون إلى تحقيق مبدأ التعايش والقبول بالآخر وتحقيق السلم الاجتماعي وتطبيع الأمن من خلال رفع الوعي المجتمعي والحشد والمناصرة بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة وخلق شراكة مجتمعية لدعم ومناصرة القضايا المعنية بالأمن.”

عدن8
إمكانيات ذاتية

تحالف “كلنا أمن عدن” ورغم حداثة تكوينه، وبالرغم من أنه لا يتلقى أي دعم مالي من أي جهة حكومية أو مجتمعية، بل إن كل الجهود والإمكانيات جاءت من المنضمين للتحالف، عبر مساهمات رمزية يستطيعون من خلالها توفير المواد التي يحتاجونها في عملهم، إلا أنه استطاع أن يوصل صوته للسلطة المحلية متمثلة برجال الأمن والمقاومة الجنوبية التي يعول عليها في حفظ الأمن في المدينة، إذ نفذ التحالف حملات توعية ووقفات احتجاجية مناهضة لأعمال الاغتيالات والبلطجة والتعصب الديني.

كل تلك النشاطات فعت علي مهدي محمد، من مبادرة نخبة، وهي إحدى المبادرات المنظمة في التحالف، إلى الانضمام إليه، فقد “جاء انضمام مبادرة نخبة لتحالف “كلنا أمن عدن” من دافع الشعور بالمسؤولية تجاه مدينة عدن التي ظلت ولا تزال مدينة حاضنة في تفصيلها لكل معاني السلام والتعايش بين مختلف التوجهات.”

وأضاف مهدي أن “على الجميع المساهمة في استمرار تلك التفاصيل التي تميز مدينة عدن عن غيرها من المدن مما يخولها لتكون أنموذجاً يقتدى به.”

وعن أهمية هذا التحالف يقول مهدي: “لهذا التحالف قدر من الأهمية، التي تساهم في تعزيز ثقافة السلم وتحقيق الأمن للمجتمع، بحيث أن كل ذلك لن يتحقق إلا بتكاتف الجهود. وتلك الجهود تتمثل في القوة التي يملكها التحالف بمكوناته الفعالة من خلال أنشطته على الأرض والتي من شأنها تعزيز الأمن بالشراكة مع الجهات المختصة، والذي نسعى له كشباب ومنظمات أن نخلق شخصية مسؤولة في داخل كل مواطن ليصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق الأمن حسب الإمكانيات المتاحة له.”

أصداء التحالف في الشارع العدني

على الرغم من حداثة تكون التحالف، إلا أنه وجد الكثير من القبول والترحيب بين أوساط الشباب والعامة، بفضل ملامسة التحالف للقضايا المجتمعية التي تهم المواطن العدني ونصرة قضاياه، وقد وبدا هذا جلياً من التفاعل الشعبي معه وتسليط وسائل الإعلام المختلفة الضوء على نشاطاته. كما بدأ الكثير من المكونات الأخرى يبدي رغبته في الانضمام إليه.

المهندس ناصر مجاهد، أحد المواطنين الذي أعجب بالتحالف والرسالة التي يقوم بها، تحدث لــ “اليمني” قائلاً: “يحتاج المواطن لتحالف من هذا النوع، وبخاصة في هذه الفترة”، فحسب رأي مجاهد فإن أهمية التحالف تكمن في “وجود تجمع شبابي يخلق وعياً مجتمعياً، فالمواطن كفرد قد لا يستطيع إحداث تغيير بمفرده، وربما يواجه خطورة قد تهدد، حياته ولكن عندما يكون تحالف بهذا الكم والزخم الكبير تقل الخطورة، وتعطى مساحة أكبر للتعبير تحت مظلة كيان شبابي واسع النطاق متعدد المكونات، وبخاصة وأن الدافع من وراء إنشاء هذا التحالف هو الرفض المجتمعي للانفلات الحاصل في مدينة عدن.”

في حين ترى الشابة حنان الأميري، المنضوية بمبادرتها “عدن في قلوبنا”، أن المدينة، التي خرجت من حرب حديثة استهدفت البشر قبل الحجر، كان لابد لها من إحداث ثورة للتصدي للأفكار المتطرفة عن طريق التوعية ومحاربة الفكر المتطرف والتوعية للمجتمع بشكل عام وللشباب بشكل خاص للتحذير من خطورة الانجرار وراء تلك الأفكار.”

وتضيف الأميري: “إن أهمية نشاط التحالف تكمن في العمل تحت مظلة واحدة مكونة من شرائح وقوى المجتمع بمختلف توجهاته، والتي لها القدرة على التأثير والتغيير. وعندما يكون الهدف واحداً، فبالتأكيد ستتشكل قوى كبرى لها تأثيرها الفعال في الوقوف في وجه كل سلبيات المجتمع.”
عدن10

الهدف هو التعايش المشترك

صالح فوزي بن حبتور، مدرب ومستشار إداري ورئيس مؤسسة القائد للتنمية والتدريب، يؤكد وجهة نظر الأميري قائلاً: “إن إحداث تغيير إيجابي في المجتمع يحتاج إلى تضافر جهود الجميع، ومن المستحيل أن تعمل منظمة محلية بمفردها لتحقيق هدف كبير كالهدف الذي أخذه التحالف على عاتقه”. وبحماسة يتابع بن حبتور، الذي انضم أيضاً لتحالف “كلنا أمن عدن”: “لقد تعلمنا ومنذ القدم أننا بالتعاون والهمة المشتركة نذلل الصعاب مهما بدا الهدف مستحيلاً، ولنا في تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية خير مثال”. ويضيف بن حبتور: “ولكن للأسف هناك معتقدات سلبية تسيطر على فكر بعض الأشخاص، قد يرجع ذلك إلى التعليم أو تجارب حثتهم ليكونوا كذلك، ومن هنا وجب علينا لزاماً أن نثبت العكس، لأن التعاون بالخير والعطاء سيؤتي ثماره بشرط حسن النية والتصرف.”

ويختتم بن حبتور حديثه لــ “اليمني”: “نريد الوصول إلى التعايش، النقد والاختلاف البناء، والسعي للضغط على صناع القرار لعمل حلول فعلية وليست مؤقتة تراعي المصلحة العامة. كما نريد تحقيق الوئام واستعادة الثقة ما بين المواطنين ورجال الأمن الذين وظيفتهم أساساً حماية المواطن وحقوقه. نريد ردم الهوة التي بين المجتمع وممثليهم من صناع القرار، كما نريد أن ندعم الانتماء لوطن يتسع للجميع ونتشاركه ونحافظ عليه معاً.”

على منظمات المجتمع المدني أن تأخذ دورها الريادي في عملية بناء الأمن الوطني العام، وأن لا تنتظر الدعم والتشجيع والمدح والثناء من أحد. وليس عليها إلا أن تقوم بواجبها الوطني والشرعي والقانوني. ولعل ذلك من أكبر التحديات التي يواجهها تحالف “كلنا أمن عدن”، إذ يتعين عليه استغلال كل الفرص الزمانية والمكانية، وتحشيد كل الجهود لأجل المساهمة الفاعلة في رفد المؤسسة الأمنية بالتأييد المجتمعي من أجل المساهمة في بناء وتحقيق الأمن الوطني ومن أجل مجتمع ووطن آمن. وبذلك يكون التحالف والمنظمات المنضوية تحته قد حقق أحد أهم مقومات عمله ـ وهو الأمن ـ لبناء المجتمع المدني الذي يصبو إليه الجميع.