اليمني _ al yemeni
Dec 24 | 7:13PM
أزمة الدواء.. ومظاهر انهيار الوضع الصحي في اليمن
محمد الكوماني | صنعاء

يعاني قطاع الصناعات الدوائية من نقص حاد في الأدوية وانعدام بعضها من السوق، الأمر الذي يمثل حالة مآساوية تزداد كل يوم، دونما جهود حقيقية من الجهات المعنية للحد منها.
PicsArt_1449483767149

أم محمد سيدة مصابة بمرض السكري، وأصبح الحصول على “الأنسولين” بالنسبة لها حلماً، فهذا الدواء بات شبه معدوم. وفي حال توفره، يُباع بضعفي سعره عما كان قبل اندلاع الحرب في اليمن. تقول أم محمد: “ابتلانا الله بمرض السكري، وفوق المرض أصبحنا نحتار أين نحفظ الأنسولين والكهرباء مفصولة، وكما أن انعدامه والتعب في البحث عن العلاج من صيدلية إلى صيدلية، أصبحت حياتنا عذاب في هذا الوضع”.
من جانبه، يقول عصام، مالك صيدلية في صنعاء في تصريح لـ “اليمني” أن نحو 30 في المائة من أصناف الأدوية انعدمت من السوق، موضحاً أنه مع وجود بعض الأدوية البديلة يرفض “الزبائن” الثقة بها، ويطالبون بالمنتجات المعروفة لديهم. ويضيف أنه وفي الأيام الأخيرة توفرت بعض الأدوية كثيرة الطلب، بعد أن غابت لشهور. وأشار إلى أن سوق الأدوية المهربة انتعش أثناء الحرب وأنها لعبت دوراً في تغطية متطلبات السوق، غير أنها بدون ضمانات.

من دواء إلى مواد سامة

أدت الحرب التي تشهدها البلاد منذ قرابة تسعة أشهر إلى انهيار القطاع الصحي إلى حد كبير، وقد انعكس ذلك على انعدام بعض الأدوية المهمة من الأسواق وارتفاع أسعارها، إن وجدت. فالعديد من المصانع المحلية للأدوية توقفت بسبب الحرب، كما ساهم الحصار البحري والجوي والبري في منع وصول أي شيء إلى اليمن، وهو ما جعل عملية استيراد الأدوية تأخذ وقتاً طويلاً قد تصل إلى أشهر بسبب انتظار الإذن بدخولها إلى الموانئ اليمنية.

تنوعت مظاهر أزمة الأدوية، إذ تأثرت بسبب سوء التخزين وغياب الظروف الملائمة لحفظ الأدوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي منذ بدء الأزمة، كذلك تأثرت بوجود منتجات “مزيفة”، وهو ما أكده لــ “اليمني” الدكتور الصيدلاني، سام الذبحاني، بالقول إن معظم الأدوية الموجودة لم تعد تجدي نفعاً بالقدر المنتظر منها في عملية الشفاء، لتغير خواصها لأسباب كثيرة منها الرطوبة، وتعرضها لأشعة الشمس، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر، ويستحيل أن يوفر مخزن أدوية الظروف المطلوبة للحفاظ عليها سواء بالتهوية أو بالتحكم بدرجات الحرارة، أو أثتاء عملية نقلها في سيارات مخصصة أصلاً لنقل البضائع العادية، وليس الأدوية”.

وحصل “اليمني” على روايات عديدة لحالات مرضية صاحبها حالات نزيف، وألم في الرأس مع ارتفاع في ضغط الدم، ناتجة عن تعاطي أدوية هرمونية أو أدوية خاصة بالمعدة أوالتهاب الصدر، يحتمل أن تكون بسبب تغير في الخواص الكيميائية أوالفيزيائية لتلك الأدوية، بسبب سوء التخزين أوعملية نقلها براً لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس. وعن الآثار المترتبة بسبب سوء تحزين الأدوية، تقول الدكتورة صبرية الحسني لــ”اليمني”: “من أهم الآثار، احتمالية تعرض المريض لمضاعفات قد تختلف من مريض إلى آخر وتختلف من دواء إلى آخر، لكن في بعض الحالات قد تؤدي إلى الوفاة بسبب تغير خواص الدواء، فالدواء الذي يتعرض لدرجات حرارة عالية قد يتحول من دواء شافٍ إلى سم قاتل ينهي حياة المريض بسهولة”.

وفي ذات السياق، يقول الذبحاني: “البلد منهار تماماً، ولا مجال لفحص الأدوية والتأكد من صلاحيتها وفعاليتها، بالإضافة إلى انتشار أدوية مهربة ومزيفة، والناس تبحث عن الدواء لأن عملهم ليس التدقيق في فعالية الدواء أو في كونه مزوراً أو أصلياً، بالإضافة إلى غياب الرقابة الحكومية، وهو ما زاد من تفاقم أزمة الأدوية وفتح باب جديد لتجار لا يفقهون إلا الربح ولا يهمهم لا مريض ولا دواء، ولا يمكن أن تردعهم مسألة أن البلد تعيش وضع حرب؛ ما يعني غياب المحاسبة والرقابة من قبل الجهات الحكومية”.
PicsArt_1449482915508
الكارثة ونقص محاليل غسيل الكلى

الدكتور بسام السياني، مشرف مركز الكلى في مستشفى الثورة بصنعاء، والذي يستقبل (163) حالة غسيل كلى يومياً من شتى محافظات الجمهورية، يقول: “يوفر المركز الغسيل والفحوصات مجاناً، لكن هناك أدوية داعمة مفترض أن تكون بمتناول المريض وهي غير متوفرة، وبسبب الأزمة فالمريض هو من يوفرها وغالبيتها غالية الثمن، وهناك صعوبة أن يوفرها بشكل دائم، مثل الكالسيوم وأدوية ضغط الدم، والأدوية المحسنة للدم، وفي مجملها يحتاج المريض لتوفيرها واستخدامها بشكل دائم، وهي مكلفة خاصة في ظل الظروف الحالية وارتفاع سعر الأدوية وانعدامها، ومن جهتنا نحاول إيجاد فاعلي خير لتوفيرها للمرضى”.

السياني يتابع لـ”اليمني” بتحسر: “نقف أمام حقيقة مرة، توجد لدنيا حالات زرع كلى عن طريق تبرع الأخ لأخيه أو الزوج لزوجته أو الأب لابنه، وللآن لم نتمكن من توفير الدواء المساعد للكلية المزروعة للانسجام والاستمرار، فالزارع قد يدخل في فشل كلوي لرفض الجسم الكلية المزروعة، والمتبرع الذي تبرع بكليته نفس الشيء. وقد ينتهي المطاف بفردين من عائلة واحدة، متبرع وزارع، بالموت بسبب عدم توفر الأدوية المحفزة على الاستمرار”.

السياني يضيف: “كما نعاني من نقص في المحاليل ومستلزمات الغسيل الدموي، ونقص مادة من مواد الغسيل أو محلول من محاليل الغسيل يعني عدم اكتمال الغسيل، والجلسة يجب أن تكون متكاملة، فانعدام هذه المواد، يعني توقف عمليات الغسيل، وهو ماسيؤدي إلى نهاية حياة الكثير من الأمراض، وستكون كارثة بكل ما تعنيه الكلمة”.

معاناة المرضى تزداد سوءاً مع الحرب

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، فإن أكثر من 14 مليون شخص من بين نحو 26 مليون، لا يستطيعون الحصول على رعاية صحية كافية، بينما يحتاج ثلاثة ملايين طفل وامرأة إلى العلاج من سوء التغذية والخدمات الوقائية.

ويصف منسق الشؤون الإنسانية في اليمن، يوهانس كلاو الصراع الحالي في اليمن بأنه “مدمر”، حيث تأثرت به 20 من أصل 22 محافظة (وحدة إدارية)، فيما يحتاج نحو 21,2 مليون شخص ما نسبته 82 بالمائة من السكان إلى المساعدة.

الأسعار والحصار.. الأزمة الخانقة

وتسبق معاناة اليمنيين في الجانب الصحي، الأزمة الأخيرة، بسبب قلة المستشفيات الحكومية من حيث عددها ومحدودية خدماتها، فيما توجد العشرات إلى المئات من المستشفيات الخاصة، بينها عدد محدود يقدم رعاية مقبولة نسبياً، بتكاليف مرتفعة لا تناسب الغالبية العظمى من اليمنيين.

وتسببت الحرب بسقوط أعداد كبيرة من الجرحى بالإضافة إلى انتشار أمراض جديدة، مثل “حمى الضنك” التي انتشرت في بعض المدن، وتسببت بوفاة المئات وإصابة الآلاف، كذلك انتشرت أمراض أخرى وحالات تأثر غير مباشرة بالحرب والانفجارات، فضلاً عن سوء التغذية والآثار الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي.

من جهة ثانية، أعاقت الحرب سفر الآلاف من المرضى ومن ذوي الحالات الحرجة، إذ يعد العلاج في الخارج أحد أبرز الأسباب التي تدفع اليمنيين للسفر، ووفقاً لتصريح سابق لوزير الصحة السابق أحمد قاسم العنسي، فإن نفقات علاج اليمنيين في الخارج تصل إلى 900 مليون دولار سنوياً.

وتحدث لـ”اليمني”، سمير 35 عاماً، والذي أسعف طفله من أحد أرياف محافظة صعدة إلى صنعاء، مبيناً أن المستشفيات الحكومية غير قادرة على استقبال الحالات الطارئة ورعايتها الرعاية الكافية الأمر الذي اضطره إلى التوجه إلى مستشفى خاص، وبسبب عدم توفر المبلغ المطلوب دفعه (نصف مليون ريال يمني ما يقارب 2500 دولار)، اضطر لرهن سيارته بالمستشفى حتى يتمكن من دفع التكاليف.

PicsArt_1449483277863
حصار خارجي وداخلي

مثلما تأثر القطاع الصحي بالبلاد بشكل عام، نتيجة الحرب والحصار المفروض من قبل دول التحالف بقيادة السعودية، فقد تسبب حصار الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، لمدينة تعز، بأزمة صحية في المدينة، وصلت إلى اتعدام أنابيب “الأكسجين” وعدم توفر العديد من المحاليل، الأمر الذي أدى إلى إغلاق بعض الأقسام في مستشفيات المدينة.

وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر اتهم تقرير لهيومن رايتس ووتش الحوثيين بمنع دخول الأدوية وأشار إلى حادث وقع الشهر الماضي، حيث صادر الحوثيون عقاقير طبية من 3 شاحنات أرسلتها “منظمة الصحة العالمية” إلى تعز، وكانت وجهتها مستشفيات في مناطق لا تخضع لسيطرتهم. ولم يأذنوا لمكاتب وزارة الصحة في صنعاء وتعز بدعم المستشفيات والمستوصفات الطبية، في المناطق التي لا يسيطرون عليها، حسب التقرير.

على الجانب الآخر، توجهت اتهامات للتحالف بالاستهداف المباشر لمستشفيات ووحدات صحية، آخرها استهداف مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في منطقة “حيدان” بمحافظة صعدة، بتاريخ 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ونقل تقرير لمنظمة العفو الدولية تأكيداً لموظفين في “أطباء بلا حدود” وقوع الهجوم، قائلين إنهم شهدوا غارتين جويتين متتاليتين قبل أن يلوذوا بالفرار من مجمع المستشفى”.

الدواء في أرقام

عمليات تهريب الأدوية، ليست حديثة العهد ولم تنشأ بسبب الأزمة، إلا أنها تفاقمت بسبب غياب شبه تام لأي رقابة أو ملاحقة للمهربين بسبب حالة الانفلات الأمني التي تعيشها اليمن منذ بداية الحرب في آذار/مارس 2015، وبحسب إحصائيات صادرة عن وزارة الصحة اليمنية فإن 60 في المائة من إجمالي الأدوية الموجودة في السوق اليمنية مهربة ولم تدخل إلى البلاد بصورة رسمية، وينفق اليمنيون ما يقارب (117) مليون دولار على الأدوية المنتجة محلياً والمستوردة عربياً وأجنبياً.

يوجد في السوق اليمنية ما يقارب (176) صنفاً مهرباً، منها (46) صنفاً مزوراً، وتقع السعودية في المرتبة الأولى من حيث عدد الأصناف الدوائية التي يتم تهريبها منها إلى اليمن بواقع (73) صنفاً، ومصر ثانياً بواقع (67) صنفاً، والأغلبية العظمى من الأدوية المزيفة تأتي من الهند والصين.

صناعة الدواء في اليمن لا تزال في بدايتها، وتوجد 7 مصانع أدوية محلية، فيما توجد ما يقارب 4000 صيدلية، منها (1350) موجودة في العاصمة صنعاء، وما يقارب (800) صيدلية تدار من قبل صيادلة فيما البقية تدار بإستئجار تراخيص صيادلة آخرين.

ومع تراجع مصادر الدخل ، تأثر غالبية اليمنيين نتيجة الحرب وسط ارتفاع الأسعار وتدني الخدمات الطبية وانعدامها، وهو ما صاعف من معاناة اليمنيين وحول مشاكلهم الصحية إلى كابوس متمثل في أسعار الأدوية وإنعدامها وفعاليتها ومدى إمكانية أن تستمر حياتهم في هكذا ظروف ماساوية، في إنتظار نهاية للحرب علها تكون قريبة لتوقف معاناتهم التي طال أمدها.