اليمني _ al yemeni
Dec 10 | 8:57PM
شباب عدن لقمة سائغة للتنظيمات الجهادية
ابتهال الصالحي – عدن

تحاول التنظيمات الجهادية في عدن تجنيد أكبر عدد من الشباب في صفوفها لإنشاء إمارة إسلامية هناك، مستغلة تردي الأوضاع وانتشار الفوضى في عدن.

11232020_903910506383005_1288602709609214033_n

محمود الذي خرج متحمساً مثله مثل آلاف الشباب للبحث عن مركز تدريب على القتال وحمل السلاح لحماية مدينته عدن، لم يدر في خلده مطلقاً أنه لن يجد بديلاً غير الالتحاق بأحد المعسكرات التي تقودها التنظيمات الجهادية.
يقول الشاب ذو الرابعة والعشرين عاماً يقول: “في مطلع نيسان/أبريل 2015 التحقت بأحد المعسكرات في مديرية البريقة بمدينة عدن جنوب اليمن لأتلقى التدريب وأحصل على السلاح، ومن بعدها أتوجه إلى جبهات القتال لكي أدافع عن مدينتي التي تحاول مليشيات الحوثي وقوات صالح بسط سيطرتها عليها.”

يتابع محمود: “يستقبل معسكر التدريب عشرات الشباب يومياً. كنت في الدفعة الثانية، وتخرجت منها بعد أن قضيت في المعسكر 25 يوماً. وفيما بعد عرفت أنه تم تخريج أكثر من خمس دفعات يتراوح قوام كل منها بين السبعين والمائتين متدرب”.

وعلى الرغم من أن محمود كان يعلم كغيره من سكان منطقة البريقة أن القائمين على المعسكر هم من أعضاء التنظيمات المتشددة، لكنهم التحقوا به لأن هدفهم كان “حماية المدينة وهؤلاء يدربون ويسلحون كل من أراد الدفاع عنها”.

يضيف محمود: “وبعد انقضاء قرابة الشهر فوجئت بأحد القادة في المعسكر يستدعيني إلى مكتبه ليخبرني بأني اجتزت الكثير من الاختبارات بنجاح وأنني سأكون ذا شأن في المستقبل، إضافة إلى كلام كثير كان يحمل في طياته ما يشير إلى أني أصبحت شخصاً مهماً لديهم ولا يودون فقداني. عندها أحسست بالغرور والفرحة معتقداً بأن الوقت قد حان للدفاع عن مدينتي، بخاصة وأن الخسائر البشرية لأبناء المدينة كانت في ارتفاع مستمر. ولكن قبل توزيعنا على الجبهات وإعطائنا السلاح فوجئت بنفس القائد ينفرد بي ليطلعني على أني سأكون مسؤولاً عن مجموعة مكونة من 25 شاباً ممن تلقوا التدريب معي، إذ سأتولى قيادتهم في المعركة، ولكن يجب علي أن اعود حياً حتى لو استدعى الأمر التضحية بهم جميعاً، مشددا على ضرورة أن لا أدخل في اشتباكات مباشرة واترك هذا الأمر للشباب الذين سأكون مسؤولاً عنهم!”

مواصفات خاصة للمقاتلين

استغرب محمود ولم يجد سبباً يبرر اختيار قائده له ولأربعة آخرين يتمتعون بنفس الخصائص: الشخصية القوية، القدرات البدنية العالية، وإمكانيات التأثير. يقول محمود: “أعطيت نفس التعليمات لنا جميعاً بأن نضحي بكل من معنا في سبيل أن نبقى نحن في الأمان، عندها عرفت أن أهدافنا مختلفة، فأنا والشباب الآخرون نقاتل من أجل تحرير المدينة، ولم نلتحق لنكون تابعين لأي تنظيم، في حين يجمع قادة المعسكر جيشاً يحارب من أجل إمارة يخطط لإقامتها من بعد التحرير!” وقبل فوات الأوان غادرتهم أنا برفقة اثنين من زملائي اللذين كانوا قد اختاروهما معي.

ومع مرور الوقت تأكد محمود بأنه كان محقاً ولم يساوره الندم للحظة على اتخاذه قرار الهروب ويشعر أنه عاد من بوابة الجحيم وخاصة بعد استهداف جماعات متشددة فندق القصر الذي كانت تتخذه الحكومة كمقر مؤقت لها، إضافة إلى موقعين لقوات التحالف، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

يقول محمود إنه يعرف أحد الشباب الذين قاموا بتنفيذ العملية الانتحارية، ويشعر بالأسف عليه ويتساءل كيف تمكنوا من غسل دماغه وجره إلى طريق اللاعودة من أجل لا شيء؟!

طيور الظلام

في 17 تموز/يوليو فرضت المقاومة الجنوبية والجيش الموالي لهادي وبدعم ومساندة من قوات التحالف العربي سيطرتها على مدينة عدن، وهي المدينة المعروفة بانفتاحها واعتدالها الديني.

ولكن ومنذ ذلك الحين تعددت فيها الحوادث التي تنسب بطريقة أو بأخرى لجماعات متشددة دينياً وكأن المسلحين الإسلاميين الملثمين خرجوا من عالم آخر ليقلبوا الحياة في المدينة رأساً على عقب، خاصة بعد ان أقدموا مؤخراً على اقتحام القاعات الدراسية في كليات الجامعية تحت مبرر منع اختلاط الطلاب من الذكور بالإناث، مطالبين إدارة الجامعة بضرورة الفصل بين الجنسين في قاعات الدراسة؛ ولم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا إلى فصول مدارس التعليم الأساسي ونشروا الرعب والخوف لدى الأطفال وتحت نفس الذريعة لتهاجم مجموعات أخرى متاجر سوبرماركت، وهي تطلق النار في الهواء لمطالبة البائعات بتغطية وجوههن وارتداء النقاب، ناهيك عن تنفيذ إعدامات خارج القانون لمواطنين في مناطق مختلفة من المدينة.

وبهذه التصرفات ينقل تنظيم الدولة الإسلامية داعش معركته إلى عدن في سبيل إعلانها إمارة اسلامية بعد أن أشاع حالة من الهلع والقلق بين المواطنين في المدينة، إذ هدد هؤلاء المسلحون والمتشددون دينياً بتفجير واستهداف بعض المدارس والكليات، الأمر الذي دفع بعض من الأهالي لمنع أولادهم من مواصلة الدراسة أو دفع الفتيات لارتداء النقاب وتغطية وجههن، وبحسب رأي الكثير من سكان عدن يبدو الأمر وكأن صراعاً محيراً على وشك الدخول في أسوأ مراحله، ويستشعر هؤلاء بالخطر المحدق بهم، فعدن تواجه خطر السقوط في أيدي الإسلاميين، وإذا حدث ذلك فستكون كارثة على الجميع. بحيث يخشى سكان المدينة الاستراتيجية، باعتبارها مركزاً رئيسياً للنقل البحري عبر مينائها التاريخي، أن تمهد هذه الفوضى لسيطرة الجماعات المتشددة دينياً عليها.

12279079_903910336383022_7248713712417091427_n

ثلاث طرق لتجنيد الشباب

يروي محمود الطرق المتبعة لإقناع الشباب بالالتحاق في الصفوف التنظيم وكيفية اختيارهم، فيقول إن هناك ثلاث طرق لذلك، الأولى: من بعض حلقات تحفيظ القرآن عبر الترغيب وإقناعهم بمفهومهم عن الجهاد وإثارة مشاعر الشاب ضد ما يزعمون بأنه (تغيير للمنكر). ومن خلال ملاحظة ردة الفعل لدى الشاب ومدى استجابته لتقبل المفاهيم التي يروج لها التنظيم، وعلى ضوء ذلك تبدأ مرحلة انتزاع الشاب من أصدقائه وعالمه الذي يعيش فيه وتزويده بمعلومات زائفة عن أصدقائه المقربين من خلال اتهامهم أنهم ليسوا على الدين القويم وأنهم يرتكبون المعاصي، ويخافون عليه منهم. وأثناء هذه الفترة تعقد لقاءات سرية وتعرض عليه بعض الفيديوهات الجهادية حتى يصبح العرض شبه يومي، وفي كل لقاء يزداد الحماس، وفي كل مرة تزداد الرغبة بالقتل والغيرة على الدين حتى ينعزل الشاب تماماً عن العالم المحيط به، ويشعر أنه أصبح أقوى. حينها فقط تعطى له الأوامر لتنفيذ مهمات.
أما الطريقة الثانية: فيُستخدم فيها بعض رجال الدين والذين يتعاملون مع الجماعات الجهادية هم الحلقة الاقوى.
وأخيراً عبر اختيار أخوة شهداء التنظيم الذين قتلوا أو نفذوا عمليات انتحارية هنا او هناك … يغرر بأخوانهم وحثهم على المضي على نفس الخطى ورسم صورة قوية للأخ الشهيد بأنه كان من أعظم المقاتلين. وفي بعض الأوقات يعرضون عليه فيديوهات خاصة بإنجازات أخيه او حتى مقاطع قتله لحثه على الانتقام له.

برامج إعداد وتدريب خاصة جدا ..المعسكرات الدينية وخطورتها..
بعد نقلهم إلى معسكرات تدريبية خاصة تأتي المرحلة الحاسمة، فهذه المعسكرات هي وسيلة تأثير على درجة عالية من الأهمية، تبدأ أولاً بمنح ألقاب للشباب يختاروها مثل (أبو القعقاع وأبو معاذ، إلخ) ثم تفرض عليهم عزلة عن العالم الخارجي ويصبح لديهم جدول يومي محدد “تدريب، محاضرات، مشاهدة فيديوهات لعمليات التنظيم، طعام ، نوم”. وهكذا ينفصل تدريجياً عن حياته السابقة، وأول درس يتعلمه هو السمع والطاعة ويستمر تلقينه في محاضرات تلو المحاضرات مع التزامه بحفظ الأحاديث المكرسة لهذا الامر، بمجرد الانتهاء من هذه المرحلة يخضع الشاب لبرنامج تدريب على مهارات القتال وعلى أنواع الأسلحة والمتفجرات مع التركيز أكثر على قتال الشوارع. وفي أثناء التدريب يتم فرز الشباب كل بحسب قدراته ودرجة حماسه، فمن يمتلك بنية قوية ويُظهر ولاءً أعمى فإن التنظيم يحرص على عدم التضحية بهم أبداً، بل على العكس يتم الاحتفاظ بهم وإخضاعهم لبرامج تدريبات خاصة أو ينقلوا لمعسكرات أخرى، فيما بقية الشباب وقبل نقلهم للمعارك تلقى عليهم محاضرات لأفضلية الشهادة وما سيناله الشهيد في الجنة من جزاء، والتخويف بالعذاب الذي ينتظر المتخاذلين، ويرسل هؤلاء للقتال ولا يسمح لهم بالزيارات العائلية خلال هذه الفترة.

مع حزنه الشديد لأصدقائه الذين استشهدوا من اجل هذه المدينة واسفه على كل الشباب الذين غرر بهم للانضمام لجماعات متطرفة لا تدين بالولاء لوطن او دين لكن محمود يتطلع الى المستقبل بأمل كبير وبات يؤمن ان المدينة التي ينتمي اليها واحبها كثيرا تحتاجه وكل الشباب فيها ، الحرب انتهت وحان وقت البناء لما خلفته من دمار رهيب في كل الجوانب ، لذلك يشارك محمود في الكثير من النشاطات الشبابية التطوعية والتي تهتم بأعمال الاغاثة والتوعية من خطر الجماعات الارهابية .