اليمني _ al yemeni
Nov 20 | 2:13PM
الحرب تضاعف البطالة وتفقد العاملين وظائفهم
محمد الكوماني - صنعاء

مع استمرار الحرب في اليمن اضطرت شركات كثيرة إلى إغلاق أبوابها وتسريح موظفيها. والبعض يرى أن سبب البطالة هو غياب الرؤية الاستراتيجية وضعف النمو الاقتصادي.

20151115_113814_resized

استطاع محمد أن يجتاز الحدود الدولية لبلاده اليمن ويغادر إلى دولة مجاورة، بعد أن وجد أن فرص الحصول على وظيفة، تحقق له الأمان المعيشي، تقل يوماً بعد يوم.

قرر ابن الثلاثين عاماً حالياً العمل في أحد المحال التجارية لبيع “القماش”، بعيداً عن مؤهله الجامعي الذي كان يأمل أن يساهم في رسم مسار أفضل لمستقبله ومستقبل أسرته، التي ظلت تنتظر بلهفة سنين طويلة أن يتخرج ويحصل على عمل، ليحمل جزءاً من المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

محمد، الذي قضى سنوات في البحث عن استقرار وظيفي، عمل خلالها في أعمال كثيرة مؤقتة، قضى شهوراً يحاول الحصول على فيزا عمل في الخارج، وهو واحد من بين مئات الآلاف الذين غادروا بلدهم الفقير، الذي يعيش حرباً منذ آذار/مارس 2015، زادت معها نسب الفقر وارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب الخريجين حديثاً، وفي أوساط أعداد كبيرة من العاملين الذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب.

منذ بدء الحرب، أغلقت الكثير من المؤسسات والشركات والمصانع أبوابها تباعاً، وصار الهم الأول بالنسبة للمواطنين، الابتعاد عن أضرار الحرب المباشرة ودمارها وكيفية النجاة منها، فيما كان التجنيد والانضمام إلى أطراف القتال، هو الفرصة الأكثر توفراً. ولم تكن الجندية وظيفة تساعد على تأمين الحياة، بقدر ما كانت قفزاً إلى ميادين الموت، وهروباً من هموم وتحديات “البطالة”.

أخطاء الماضي

الباحث الإقتصادي، محمد النظير، يرى أن الأزمة التي تمر بها اليمن، ليست سوى تراكمات لأخطاء سابقة، غابت فيها النظرة الصحيحة لمشاكل العمل في اليمن، وتأثرت بسياسات خاطئة ألقت بظلالها على الاقتصاد، والتي أدت لارتفاع متسارع في نسب الفقر والبطالة.

يتابع النظير قائلاً: “لن تتراجع نسب البطالة والفقر، طالما وأن الاقتصاد ينهار بفعل الفساد المالي والإداري، إذ أن فساد التوظيف واحد من أكبر ملفات الفساد التي تمتص ميزانية كبيرة تذهب لأسماء وهمية وأسماء مزدوجة، في حين يوجد مئات الآلاف من خريجي الجامعات عاطلين عن العمل، وسط اعتذار حكومي عن عدم القدرة على قبول أعداد جديدة لشغل الوظائف الحكومية. مما أضظر الشباب البحث عن عمل لا يمت بأي صلة للتخصص ولا الطموح ولكن عمل لمجرد العمل”.

النظير يضيف لـ”اليمني”: البطالة سرطان يفتك بالشباب اليمني منذ فترة طويلة، وزادت بفعل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وبخاصة منذ العام 2011، وللأسف لا وجود لأي معالجات؛ لأن البلد يعيش حالة حرب ولا يمكن أن تعالج الـ”بطالة” إلا في ظل توفر الأمن وتشجيع الاستثمارات وعودة الحياة إلى طبيعتها، لتعود الشركات للعمل والمصانع للإنتاج ويعود العمال والموظفون إلى شركاتهم ومصانعهم”.

فيما ترى الأستاذة المتخصصة في علم الاجتماع، نسرين علي، في تصريح لـ”اليمني” أن مشكلة البطالة مشكلة تعاني منها الدول المتقدمة والدول النامية، ولكن الفارق هو في النسبة وفي كيفية معالجة مشكلة البطالة، فنجد أن البطالة تتراجع من عام إلى آخر في دول متقدمة، بسبب وضع خطط واستراتيجيات لحلها، بينما في الدول النامية تزيد وتتأثر بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية حول معالجة أسباب البطالة ولضعف النمو الاقتصادي، الذي يعتبر أحد أهم الأسباب لتفاقم ظاهرة البطالة.

20151115_112026_resized_1

فقدت الأمل

“منذ دراستي الثانوية وأنا أشاهد أخي الأكبر، لأكثر من ثلاث سنوات يبحث عن عمل في مجال تخصصه كمحاسب تخرج من كلية التجارة، دون جدوى، وفي نهاية المطاف باعت والدتي ذهبها لفتح كافتيريا في شارع الزبيري، ففقدت الأمل في أن يكون لي مستقبل بعد تخرجي من الجامعة. صحيح أن الأرزاق بيد الله، لكن في اليمن أن تحصل على وظيفة حكومية معجزة لا تأتي إلا لمن لديه خبرة كبيرة أو واسطة”. هكذا بدأت ندى (24 عاماً) حديثها مع “اليمني”. ندى تخرجت من جامعة صنعاء، كلية التربية، منذ عامين وتقول إنها عملت قبل الحرب لستة أشهر كسكرتيرة في مكتب سفريات، وفقدت عملها مع بداية الحرب بعد توقفت حركة الطيران؛ مما اضطر مكتب السفريات أن يقفل أبوابه ويسرح موظفيه. وبالرغم من أن العمل كسكرتيرة لا يمثل طموح ندى، لكنها تقول إنها تتمنى لو تستطيع أن تعود إلى عملها السابق كسكرتيرة وبراتب لا يتجاوز 30 ألف ريال.

حال نبيل (26 عاماً)، لا يختلف عن حال ندى وحال مئات الآلاف من الشباب اليمني، فالحرب لم تكن فرصة مغرية إلا لنسبة قليلة من الشباب، وأغلبهم من غير الحاملين للمؤهلات، بينما برزت في وقت لاحق، ظاهرة جديدة، تمثلت بـ”السوق السوداء” التي تُباع فيها المشتقات النفطية، بنحو ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي، لتأخذ أعداداً أخرى من الباحثين عن مصدر دخل.

في العاصمة صنعاء، وخصوصاً في الشهور الأخيرة، لا يكاد يوجد تقاطع طرق فرعية أو رئيسية، إلا وتجد أشخاصاً يبيعون “البنزين”، داخل علب سعة واحد لتر أو أكثر، يحضرونه في براميل أو أوعية بلاستيكية سعة 20 لتراً.

نبيل، يبحث عن وسيط لشراء كمية من الوقود، لبيعه في السوق السوداء، بعد أن تعطل مصدر دخله الخاص بسبب الحرب، وأصبحت “السوق السوداء” هي “نجمة الموسم” لمن يبحث عن مصدر دخل. وكل ذلك، جعل من عودة محطات الوقود التي تبيعه بالسعر الرسمي أمراً مرعباً سيؤدي إلى فقدان الآلاف مصادر دخلهم غير القانونية.

نتائج المسح قبل الحرب الأخيرة

ووفقاً لآخر عملية مسح للقوى العاملة في اليمن، عام 2013، 2014، أجراها الجهاز المركزي للإحصاء (حكومي) بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، فإن نسبة البطالة بلغت 13.5 بالمائة، وقُدر عدد السكان في سن العمل بـ 13.4 مليون نسمة، أي أكثر من نصف سكان البلاد، الذين يقدر عددهم بـ26.18 مليون نسمة، وفقاً لآخر إحصائية معروضة من قبل البنك الدولي.

وبينت النتائج أن نسبة المشاركة في قوة العمل بلغت 36.3 بالمائة، غير أن نسبة مشاركة الرجال، 65.8 في المائة و6.0 في المائة للنساء، ونسبة العاملين الذين أكملوا التعليم الثاني وما بعده أقل من الثلث، ويعاني حوالى 83 في المائة من غياب التطابق بين التحصيل العلمي والمهارات المطلوبة في عملهم. كما قدرت الإحصائية إجمال العمالة، بـ 4.2 مليون شخص.

وفي ذات السياق أظهرت النتائج أن معدلات بطالة الشباب 24.5 بالمائة ونسبة البطالة لدى النساء 26 بالمائة، وهو معدل أعلى من الرجال الذين تبلغ النسبة البطالة لديهم 12.3 في المائة. وأشارت النتائج إلى أن ما يزيد على 1.556 مليون شخص، إما منخرطون في عمالة قاصرة مرتبطة بالوقت أو عاطلون عن العمل أو موجودون في قوى العمل المحتملة، ولكنهم غير باحثين عن العمل.

ما بعد الحرب ليس كما قبلها

بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد والعدد الكبير من المصالح العامة والخاصة التي تضررت، فإن القوى العاملة وغير العاملة تضررت إجمالاً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات، في حين أن تدني الأجور أحد أوجه المعاناة، حيث يوجد من يعملون بالفعل، لكن ما يتقاضونه لا يغطي حاجياتهم. ومن جهة أخرى تسببت البطالة في خلق وضع أمني صعب يضاف إلى الوضع الأمني المتدهور بسبب الحرب وغياب أجهزة الدولة الأمنية.

وترى نسرين علي أن “البطالة أحد الأسباب المباشرة التي خلقت بيئة للجماعات المسلحة، مما مهد للوضع الذي وصلنا إليه”، وتضيف أن “العمالة المؤهلة كانت متضررة أكثر من غيرها في الحرب، بسبب أن كثيراً من المصالح والأعمال توقفت أو تضررت أثناء الحرب”، وتحذر في ختام تصريحها من خطورة استمرار الوضع الحالي، اقتصادياً وأمنياً، ولما لها من آثار نفسية سلبية تنعكس على المجتمع قد لا تكون ظهرت أو لفتت الانتباه إليها حتى اليوم”.

وعن مدى تأثر الشباب اليمني بسبب الحرب، يقول الباحث الاقتصادي، محمد النظير: “من خلال إحصائيات غير رسمية لمنظمات محلية ودولية وجدنا أن نسبة البطالة خلال الحرب، وصلت إلى ما يقارب 60 بالمائة من إجمالي الشباب القادر على العمل، هذه نسبة عالية جداً، واستمرار الحرب يؤدي إلى استمرار تدهور الوضع الاقتصادي؛ ما يؤدي إلى خلق فرص للانحراف وبيئة خصبة لارتكاب الجرائم، أو لجوء الشباب للانخراط في الحرب مع هذا الطرف أو ذاك لكسب راتب شهري، حتى وإن كان الثمن حياته.

وعما يمكن أن يساعد في الحد من البطالة في ظل هكذا ظروف، يرد النظير بالقول:” صعب أن تجد حلولاً لمشكلة البطالة في ظل هذه الظروف، الحلول تكمن في السلام والأمن وعودة الحياة إلى طبيعتها، ومن ثم قد تستطيع الحكومة أن توجد حلول تساعد على الحد من البطالة بمساعدة الدول المانحة التي طالما ساعدت اليمن مثل هولندا وألمانيا وغيرها من الدول التي ساهمت في مراحل سابقة في مشاريع خاصة بالحد من البطالة.