اليمني _ al yemeni
Nov 11 | 10:43AM
“حرمة” المقري براءة القول تفكك وعي قائليه و خرابهم
نديم الوزه - اللاذقية

اعتبر البعض رواية المقري “حرمة” أنها رواية مثيرة للجدل، نظراً لجرأتها في طرح التابوهات الثلاثة: الجنس، الدين، السياسة. لكن هناك من يرى فيها عملاً جميلاً يستحق الاهتمام به.

Maqri2

تقوم رواية “حرمة” للروائي اليمني علي المقري، دار الساقي 2012، والفائزة هذا العام بجائزة التنويه بباريس إثر ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، على مقارنة مضمرة بين بنيتين متجاورتين، و لكن متناقضتين في المجتمع اليمني: الأولى حضارية، حديثة، متحررة، و مشغولة بالإبداع الإنساني و يمثلها بيت سهيل. و الثانية تقليدية، معاقة بالحظر الديني المتشدّد ليس عن الفعل الإنساني و حسب و إنما عن المشاركة فيه و التفاعل معه كذلك، و يمثلها بيت “حرمة”. و حرمة هو صفة لبطلة الرواية، أو شخصيتها المحورية، و ليس اسمها الذي سيبقى مجهولاً حتى النهاية، بسبب أنّ الاسم في المجتمع الذي تنتمي إليه عورة أنثوية لا ينبغي كشفها من جهة. و بسبب أنّ الأنثى في هذا المجتمع هي مجرد كائن محروم من وجوده الشخصي أو من فاعليته الذاتية من جهة أخرى.

يحاول سهيل أن يتقرّب من “حرمة” عبر أغنية لأم كلثوم على شريط كاسيت يرسله مع شقيقته إليها. لكنّ “حرمة” سوف تبقى عاجزة عن الاستماع إلى الشريط لأنّ الغناء محرّم في عرف بيتها و لخلوّ البيت من آلة تسجيل أو أيّ جهاز آخر يمكن الاستماع إلى الغناء من خلاله سوى مذياع روسي محتكر من قبل الأب، للاستماع إلى نشرات الأخبار و البرامج الدينية، ليقفل عليه بعد ذلك.

ما هو مبتكر في بناء الرواية، إضافة إلى براءة القول و عريه – مثلاً نقل محتوى شريط بورنو بألفاظه حرفياً- و حفرياته الاجتماعية و السياسة –كما سيتضح لاحقاً- هو أنّ بيت سهيل سوف يبقى حاضراً في سردها من خلال أغنية أمّ كلثوم فقط، بينما يحوز بيت “حرمة” على مجمل هذا السرد و مهامه كدلالة على شيوع هذا البيت في المجتمع اليمني و رسوخه فيه. و يمكن القول إنّ حضور أغنية أمّ كلثوم فيما يكسر إيقاع السرد التقليدي للحكي سوف يقوم بمهمة بلاغية طباقية على المستوى الدلالي و لاسيما بعد حضور شريط التسجيل الثقافي (البورنو) بين يدي حرمة وشقيقتها “لولا”. و إذا كان شريط البورنو هو ثقافي بمعنى من المعاني، لكنه في هذه الرواية لا يعبر عن ثقافة جسدية متحرّرة بقدر ما يعبّر عن حظر لثقافة الجسد و إبداعاته الفنية و الأدبية عامة و جهل بها. يظهر ذلك من خلال حجب الغناء في البيت، و حجب الرسم في المدرسة الإسلامية، و حجب جسد المرأة من رأسها حتى أخمص قدميها في الطريق بينهما.

أيضاً ساهم تبويب الرواية و تقسيمها حسب أوجه هذين الشريطين و محتواهما على إبراز الثقافة النقلية في المجتمع الذي يتداولهما، لينتقل هذا التناقض بين الأداة الحديثة و استغلالها بشكل تقليدي إلى كافة مظاهر الحياة إن كان في استخدام الهاتف المحمول في النقل و التلصص، أو في استخدام شاشة التلفاز كوسيلة حظرية للتواصل بين الطالبات و مدرسيهن من الذكور في المعاهد و الجامعات الإسلامية. لولا أنّ ما ينبغي قوله كنتيجة لذلك كله هو أنّ تحطيم العقل المبدع و منعه من الاستمتاع بطاقاته الإنسانية الثقافية من خلال حواس جسده للمساهمة في تطويرها و تحضرها، و بهذه الشاكلة من القمع العرفي غير المبرّر، سوف يؤدي إلى حصر هذه الحواس ومتعها فيما لا يمكن منعه أو محاصرته و هو اللذة الجنسية. لذلك كان من الطبيعي أن تختصر الثقافة فيها، و أن يكون الإبداع الثقافي تعبيراً عنها، و إن جاء ذلك على سبيل التمويه و الخداع و السخرية. غير أنّ هذه الثقافة السريّة، و غير الطبيعية كما ينبغي أن تكون بين الرجل و المرأة، سوف تفضي إلى نتائج سلبية حتمية، قد لا تكون ممارسة التلصّص، و العادة السرية، و المثلية، و سفاح القربي أكثرها خطورة – طالما أنّ المجتمعات المتحضرة و المكشوفة صارت تبيحها لأسباب تتعلق بحرية الاستثنائي و الشخصي، لا للأسباب المذكورة هنا- ذلك أنّ هذه الأسباب الاستبدادية المتخلفة سوف تضفي على هذه الممارسات الشاذة أمراضاً نفسية و اجتماعية و حتى سياسية تدمّر الشخصية التي تقوم بها و تجعلها فريسة للاضطراب، و من ثمّ للاستغلال:
“لولا” تشبع شهوتها عن طريق الدعارة، و حين تفشل بالحصول على زوج على الرغم من رتق بكارتها المتكرّر، تحضر إلى غرفتها أول شاب يستجيب لإغوائها من الطريق متنكراً بعباءة امرأة، لكن حين يكتشف والدها المريض أمرها يقضى عليه بذبحة قلبية، وذلك على الرغم من يقينه أنّ المال الذي كانت تأتيه به طوال حياته، إنما كان من عملها في الدعارة. و لكن أن يراها تمارس الجنس لصالح شهوتها فقط، فهذا ما لم يستطع احتماله. حتى هي و تحت تأنيب الضمير و كبر سنها تموت جوعاً بعد فقدانها لشهوة الطعام على ما يبدو.

“رقيب” شقيق “حرمة” أيضاً، يتحوّل من ماركسي إلى رجل متدين بعد زواجه من “نورا” التي أحبها بعد رؤيتها برفقة شقيقتيه في بيتهم. لكن غيرته و حرصه الشديد على زواجه هذا من خلال التدين لم يمنع انهياره. فقد استطاع أحد المتلصصين أن يسجّل له إحدى مضاجعاته الجنسية مع زوجته على سطوح. بيته مما أدى إلى سجنهما بتهمة المتاجرة بالأفلام الإباحية و طلاقهما بعد ذلك.

و بدل أن تعمل الدولة اليمنية، و لا سيما من خلال أجهزتها الأمنية على تغيير هذا الواقع و تطويره و تنميته و دفعه للتحرّر و التحضّر، تقوم بمداراته و المحافظة عليه، لخدمة سلطتها كما هي الحال في جميع الدول المتخلفة، و الأخطر من ذلك للمتاجرة به مع أجهزة المخابرات الخارجية حيث أمّنت من خلاله عدداً من المجاهدين لمحاربة الشيوعية في أفغانستان.

بعد طلاقه ينتمي “رقيب” للحركة الجهادية، و كانت “حرمة” قد تزوجت من “عبد الله” زميل شقيقها في الجهاد. لتعاني من عنانته و عدم مقدرته على فض بكارتها. و لتقوم ببعض النشاطات الجهادية التي تكتشف من خلالها تورط المخابرات اليمنية في الاستقطاب الجهادي لصالح أعداء الشيوعية. وعلى أية حال يسافر “رقيب” للجهاد في الشيشان، بينما تسافر “حرمة” مع “عبدالله” للجهاد في أفغانستان عبر المملكة العربية السعودية حيث يتزوج في المملكة خادمة آسيوية لينقل للمجاهدين من خلالها مزيداً من الذهب والمواد الكيماوية المتفجرة المخبأة في أدوات تجميل النساء مع ما ستنقله “حرمة”.

بعد الوصول إلى أفغانستان تتلقى “حرمة” بعض التدريبات التمريضية و الزراعية، و ما تكاد تبدأ بتطبيق ما تعلمته حتى يدمّر المعسكر لتنقل إلى أحد السجون في إيران، فترحّل منها إلى اليمن.

Maqri1

بعد سنة ونصف من عودتها فكّرت “حرمة” بالطلاق من “عبد الله”، و لاسيما أنّ أحداً لم يخبرها بمصيره و لا حتى من خلال نشرات الأخبار. لذلك قرّرت الاتصال بأحد أساتذتها في الجامعة الإسلامية. فيعجب بها بعد أن يرى وجهها و شعرها، و يساعدها على الطلاق من “عبد الله”، ليتزوجها بعد ذلك. و لكن حين يعجز عن فض بكارتها بدوره، يعتذر منها، و يطلقها مباشرة في ليلة الدخلة.

بعد موت الأب و الأم و “لولا” تبقى “حرمة” في البيت وحيدة. إذ لم ترد أن تثقل على “رقيب” و زوجته “فالتينا” التي جاء بها من الشيشان، متخلياً عن الجهاد، ليعمل في التجارة. و على أية حال وفّر كلّ ذلك ل”حرمة” أن تعود إلى ذاتها، و إلى شريط أم كلثوم. و كان من اللافت أن تحاول الاتصال ببيت “سهيل”. غير أنّ هذا الاتصال لم يحمل بعداً حضارياً، حوارياً بقدر ما عبّر عن محاولة مبتذلة لإشباع شهوتها الجنسية، و ربما لذلك كانت محاولة فاشلة و لم تكتمل، بسبب أنّ قذف “سهيل” جاء متسرعاً و قبل فض بكارتها و ولوجها. لولا أنّ هذا كان كافياً لتصبح “حرمة” حاملاً، و هي عذراء، بما يعني أنّ فضَّ بكارتها سيكون من داخلها. و لا تدري أكان ذلك بسبب تسرّب نطاف الشيخ أم بسبب تسرّب نطاف “سهيل”؟. و ربما تكون عودة “عبد الله” و عدم اعترافه بطلاقها منه تعبيراً أوضح عن الصراع بين نطاف الشيخ و نطاف “سهيل”، وعلى ما يبدو من نهاية الرواية سوف تنحاز “حرمة” إلى بيت “سهيل” أو بالأحرى إلى ثقافته التحررية، و إن كان ذلك من خلال هروبها من البيت الذي يجمعها و “عبد الله” و على هذا النحو الهستيري الذي يقارب الجنون، و إن كان يحرّض العقل على التساؤل و التغيير:” أغادر البيت.. لا أعرف إلى أين. أبتعد منه، منّي حيث كنت، من ذكرياته و روائحها.. أمشي و أمشي.. أنزع الخمار.. أنزع اللثمة و العباءة و أمشي.. أفكّ أزرار قميصي.. أسحب حمالة نهدي.. صدري مواجه للريح و نهداي.. أمضي.. أظلّ أمضي.. أمضي بدوني.. “.

هكذا تتخلى “حرمة” عن وعائها القمعي، لتتحرّر من ذاتها المحرومة، أو بالأحرى من المحرمات التي عملت على تدميرها و إعاقتها من الحياة و سبلها، و هي في مقاومتها لكلّ ذلك لم تنل سوى كائن مجهول لم يزل ينمو في رحمها، و لا أحد يدري إن كان سيولد حياً؟ و كيفَ؟ و أية حياة تنتظره؟ ربما تكون الحرب في اليمن الحالي جواباً، و ربما يكون لدى علي المقري جواباً مختلفاً يحتاجُ إلى رواية جديدة لكي نقرأه.