اليمني _ al yemeni
Oct 26 | 12:17PM
“لاتقبروناش” … إيقونة المعاناة اليمنية
هاني الجنيد - تعز

“لاتقبروناش”، صرخة أطلقها طفل، دون أن يعلم أنها ستشعل بعد وفاته وسائل التواصل الاجتماعي، وتتحول إلى شعار يدعو لإنهاء الحرب في اليمن.

شهادة الوفاة

“رحمك الله يا فريد”، عبارة تلفت انتباه الزائر لحارة الخياطين في وسط مدينة تعز، كتبها أطفال بالطباشير على أحد الجدران، حزناً على صديقهم ابن الستة أعوام.

التقى “اليمني” والد فريد أمام باب منزله، على بُعد عشر خطوات فقط عن المكان الذي سقطت فيه قذيفة الهاون وأصابت شظاياها ابنه. الأب الحزين، الذي كان يعمل بائع لـ “الشبس” بجوار سينما بلقيس وفقد بسبب الحرب مصدر دخله الوحيد وفلذة كبده، يتذكر آخر لحظة شاهد فيها ابنه فريد وهو يلعب هناك مع أصدقائه، “في الرابعة بعد العصر كان فريد يجمع الحطب لخالته من الخرابة، وصحت عليه أن ينزل لأن المكان خطر، وعدت به بعدها إلى المنزل، ومنه ذهب للعب مع الأطفال.”

وأضاف وعيناه غارقتان بالدموع: “خرجتُ أنا وجلست أمام باب المنزل، أشرب الشاي، وكنت أشاهد فريد يلعب هناك (مشيراً بيده إلى حيث أصيب) مع أصدقائه لعبة الغماية. وفي الساعة الخامسة إلا قليل، دخلت إلى المنزل، وبعد حوالي ربع ساعة سمعت انفجاراً ضخماً هز الحارة.”

كابوس يلاحق براءة الطفولة

وتابع الرجل: “لم يخطر ببالي أن يصب فريد بأي مكروه، ولا حتى أخيه هيثم الذي تركته يلعب معه. حاولت الخروج وكان التراب والغبار يغطي الحارة ولم أستطع مشاهدة ماحدث. عرفت فيما بعد أن فريد وأخاه مع مجموعة آخرين أصيبوا بشظايا وتم إسعافهم من قبل الجيران إلى مستشفى الروضة.”

يضيف أبو فريد: “بعد إن أُجريت لفريد وأخيه الإسعافات الأولية في مستشفى الروضة وتبين أنه مصاب بشظايا في رأسه ويده، تم نقله إلى مستشفى الصفوة لإجراء أشعة مقطعية لرأسه، وبعد ذلك نقل إلى مستشفى الثورة العام لإجراء العملية الجراحية.”

حاول الأطباء إنقاذ حياته بشتى الوسائل، لكن شظايا قذيفة كانت قد توغلت عميقاً داخل جمجمة رأسه إلى الحد الذي يصعب إخراجها.

والد فريد وبيده شهادة الوفاء

وهو في المستشفى بعد إسعافه، كان الطفل المصاب فريد شوقي يصرخ “لا تقبروناش”، معلناً عن تشبثه بالحياة، ورفضه للموت، الذي كان يومها على بعد أربعة أيام منه. ليرحل فريد في 17 تشرين أول/أكتوبر 2015.

هيثم الذي يصغر أخاه فريد بعام واحد، أصيب أيضاً في الحادث بشظية استقرت في فخذه الأيسر، وتم إخراجها من قبل الجراحين في مستشفى الروضة، ليعود بعدها إلى أمه في المنزل بدون فريد.

والد فريد لم يشارك في مراسم الدفن

لم يشارك الوالد بمراسم دفن ابنه، يقول الرجل وهو يكفكف دموعه: “عندما وصلنا إلى المقبرة تذكرت كلماته، وأخذت نفسي جانباً ولم اشارك في الدفن. فقط القيت عليه النظرة الأخيرة من بعيد.”

يتابع قائلاً: “لو كنت أستطيع الاحتفاظ بجثته لفعلت تنفيذاً لوصيته، لكن…”، لم يكمل حديثه ودخل في موجة بكاء. الدموع وحدها كانت من يتحدث عن فريد.

في منزل أسرته المكون من غرفة وحيدة، وصالة متواضعة، لم يبقَ من فريد شوقي، الذي كان يحلم أن يصبح طبيباً يعالج الناس، سوى أشياءه الصغيرة، مثل: كراسات الرسم، وفرشاة الأسنان، وكرة قدم طفولية، وقميص عليه شعار نادي برشلونة الإسباني، إضافة إلى صورته فوق المكتبة بجوار صورتين لأخويه الأصغر منه “هيثم، وأحمد”.

من بين الملابس الخاصة بفريد التقط والده قميص رياضي، وتحدث: “كان فريد من مشجعي نادي برشلونة، وهذه الفانيلا عليها شعار البرشا، كان يرتديها في كل المباريات التي يخوضها فريقه المفضل.” كان يتحدث عن طفله البرشلوني الصغير، وكيف كان يتحمس للنجم ليونيل ميسي، وبقية رفاقه في الفريق الكاتلوني.

توجه “اليمني” إلى مستشفى الثورة لمقابلة الطبيب الذي استقبل فريد وأشرف على حالته قبل أن يتوفى متأثراً بجراحه. لكن مقابلة الطبيب لم تكن ممكنة بسبب انشغاله بإجراء العمليات لبعض الجرحى الذين يسقطون يومياً جراء الحرب ويصلون إلى المستشفى بشكل شبه متواصل.

DSC02486

حرب وقودها الأبرياء

أودت الحرب حتى الآن بحياة أكثر من 500 طفل يمني، وهو الأمر الذي أكده هاني العامري، حارس المقبرة التي ينام فيها جسد الطفل فريد شوقي، وهو من وسد فريد بيديه أثناء دفن جثمانه.

أوضح العامري لـ”اليمني” أن أغلب جثث الضحايا التي تصل المقبرة كل يوم هي لأطفال ونساء من أبناء مدينة تعز، مشيراً إلى أنه يقوم بتسجيل أسماء أصحاب هذه الجثث، وأعمارهم، والأماكن التي لقوا فيها حتفهم.

حارس المقبرة قال إن المقبرة تستقبل في اليوم الواحد من 3 إلى 7 جثث من المدنيين الذين يسقطون ضحايا للقصف العشوائي على ثالث أكبر مدن اليمن.

لم يكن فريد شوقي هو الطفل الوحيد الذي لقى حتفه بسبب الحرب، ولن يكون الأخير بالطبع، فالحرب لا تزال قائمة وقذائفها مستمرة في حصد الأرواح واستهداف الطفولة بمدينة تعز المحاصرة منذ ستة أشهر، حيث يخيم عليها الرعب والموت والخراب وسط صمت دولي مخزٍ ومعيب. ويبدو أن صرخة الطفل فريد “لاتقبروناش”، لم تلقَ آذاناً صاغية بعد، ما يعني أن جدران الشوارع اليمنية قد تمتلئ بعبارة “رحمك الله يا فريد”.