اليمني _ al yemeni
Oct 19 | 9:34AM
كيف يبدو المشهد الثقافي بعد 200 يوم على الحرب
سعيد الصوفي – صنعاء

في الوقت الذي تشهد فيه الثقافة تراجعاً في اليمن، يحاول مثقفون استعادة زمام المبادرة وإنعاش الحركة الفنية من خلال مهرجان الطين الذي رفع شعاراً: لا للتعصب والكراهية.

شباب اليمن ينحتون مستقبلهم

رغم تجاوز الحرب المائتي يوم منذ تفجرها في 26 آذار/مارس الماضي، لا يزال المشهد الثقافي اليمني يعيش حالة ركود، وسط حالة من الاستياء في أوساط المثقفين. الأمر الذي عكسته أستاذة اللغة العربية بجامعة صنعاء، رئيسة الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان، الشاعرة ابتسام المتوكل، والتي عبرت لــ”اليمني” عن خيبة أملها بالمشهد الثقافي قائلة: “أفصح المشهد الثقافي عن هشاشة كثير من أسمائه وعن ادعاء للثقافة أكثر منه امتلاكاً لها”، معتقدة أن الثقافة “تعني الانتماء للقيم الإنسانية الكبرى وعلى رأسها قيمة الحياة والكرامة.”

ومن جانبه تساءل الشاعر علي هلال القحم، إن كان غياب المثقف عن قضايا الحياة المصيرية هو السبب في سقوط المجتمع أم طغاته ومستبديه؟” ويجيب معتقداً أن “تغيباً متعمداً لدور الثقافة والمثقف هو سبب سقوط المجتمع في براثن الصراع “.

فنانون شباب يعزفون ويغنون للسلام

اصطفاف ثقافي لصالح السياسي

أما الشاعر والناقد سلطان عزعزي، فيرى أن المشهد الثقافي اليمني “شهد حالة من الانحسار والتراجع الحاد خلال السنوات الخمسة الأخيرة”، مشيراً إلى “التدهور والانكماش والضمور المفاجئ للفعل الثقافي بأنشطته المتعددة المكتوبة والمسموعة والمرئية من حيث غياب دور المؤسسات والمراكز والمنتديات والأندية ذات الطابع الثقافي والإبداعي”، منبهاً لوضع “الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وحلقات ومجالس النقاش العام”. ويؤكد عزعزي أن “بعضها أغلق تماماً وبعضها علقت أنشطته والبعض الآخر انقسم وتغيرت طبيعة رسالته “.

ويرجع الناقد عزعزي هذا الغياب “إلى طبيعة المتغيرات السياسية اللاحقة للانتفاضة الشبابية أو ما سمي بثورة الربيع العربي، إذ هيمن الشأن السياسي على الشأن الثقافي وجعله ملحقاً به.” ويعتقد سلطان “أن سطوة الفعل السياسي عمل على إزاحة الصوت الثقافي وإقصائه إلى الهامش والثانوي.” معتبراً الانتكاسات التي أصابت الربيع اليمني إنما كانت بسبب “هيمنة صوت التغيير السياسي وعدم إسناده برؤية ثقافية توصل هذا التغيير إلى آفاقه المرجوة في إحداث التغيير الذي حلم به وراهن عليه شباب التغيير.”

لكن الكاتب والمثقف اليمني، قادري أحمد حيدر، يرى أن تراجع المشهد الثقافي يكمن في “الحروب الداخلية التي شنها تحالف (صالح والحوثي) على المحافظات الجنوبية، مما جعل المثقف يرى في الحرب الداخلية تهديداً للنسيج الاجتماعي وينذر بانقسام وتمزق الكيان الوطني، فيما العدوان الخارجي يقتصر ضرره، في نظر هذا المثقف، على تدمير مظاهر الحياة الخارجية فقط، ولذا حسم هذا المثقف موقفه لمواجهة الحرب الداخلية، متغاضياً عن العدوان الخارجي.”

ولكن غياب هذا المثقف وابتعاده عن إدارة المشهد الثقافي عزز من حالة الاصطفاف الثقافي، فيما يرى باحث ومثقف يمني آخر (فضل عدم ذكر اسمه) مؤكداً أنه “كان أجدر بالمثقف أن يؤمن بأن البديل النقدي هو الذي ربما كان يحمي الأبرياء في المدن، كما في مخيمات النازحين، والقرى النائية، والطرقات العامة، بدلاً من الابتعاد عن المشهد الثقافي والاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، والمزايدة والاستخفاف بجوهر البحث عن الحقيقة، والذهاب خلف التلاعب بالهويات الجماعية، (الطائفية، المناطقية، الجهوية، القبلية، السلالية، الحزبية) رغبة في الحصول على التضامن الاجتماعي والتعبئة والحشد السياسي، كأداة جوهرية تتعلق بالطائفية السياسية؛ الأمر الذي سيؤدي في النهاية، ليس إلى انقسام الدولة فقط، وإنما إلى وصول الانقسام إلى كل جماعة وحزب سياسي في البلاد.”

منحوتات طينية تجسد ملامح زمن الحرب

فنانون شباب يتحدون الاصطفاف

في فعالية ثقافية فنية هي الأولى من نوعها، منذ تفجر شرارة الحرب في 26 آذار/مارس الماضي، نظم المنتدى العربي للفنون التشكيلية والجمعية اليمنية للفنون والتصميم مهرجان الطين في باحة المنتدى العربي للفنون التشكيلية، في العاصمة صنعاء، خلال الفترة من 10 وحتى 14 تشرين أول/ أكتوبر الجاري. وشارك فيه نحاتون وفنانون شباب بمجسمات فنية من الطين ولوحات تشكيلية ووصلات غنائية وراقصة بمصاحبة العزف على العود.

مهرجان الطين حمل رسالة مفادها: مناهضة ظروف الحرب ورفض دعوات التعصب والكراهية للآخر، وفي الوقت ذاته حض المهرجان على قيم المحبة والتسامح والسلام، وفي هذا السياق منسق المهرجان الفنان ردفان المحمدي لــ”اليمني”، رئيس المنتدى العربي للفنون التشكيلية، أن الغرض من تنظيم المهرجان الترفيهي الثقافي هو “استعادة دور الجانب الثقافي وإنعاش الحركة الفنية بكل تنوعاتها: النحت والرسم والغناء والرقص.”

ويحذر المحمدي من مخاطر الحرب على ” الثقافة وتهديدها بالانقراض “مشيراً إلى أن الكثير من “الناس بدأوا يتجهون لحمل السلاح واعتناق أفكار التطرف والإرهاب، فيما يبقى المشهد الثقافي يعاني من الجمود والانقسام”. وتمنى المحمدي في نهاية حديثه لــ”اليمني” أن تعود المؤسسات الثقافية الرسمية لواجهة المشهد الثقافي لتقوم بدورها الثقافي والفني والإبداعي بالتساند مع منظمات المجتمع المدني ذات الطابع الثقافي.