اليمني _ al yemeni
Oct 8 | 7:28PM
الحرب تهدد بطمس آثار صنعاء وتراثها
محمد الكوماني - صنعاء

في ظل استمرار الحرب في اليمن تزداد المخاوف من تدمير المدينة القديمة في صنعاء، خاصة وأن المدينة تعاني من مشاكل في بنيتها التحتية أصلاً، واليونيسكو قلقة على تراث صنعاء.

 
Koumani1_08.10.

كان حفظ الله العيني (45 عاماً) يغادر منزله صباح كل يوم، إلى مزرعته التي يبيع فيها الخضروات ويُعيل منها أسرته المكونة من 11 فرداً، وفي صباح التاسع عشر من أيلول/سبتمبر، لم يكن سكان قلب العاصمة اليمنية صنعاء، يصطفون عند مزرعته، بل اتجهوا إلى منزله، للبحث عن أشلاء تحت الأنقاض، بعد أن قضى حفظ الله مع تسعة من أفراد أسرته، بقصف لطائرات التحالف الذي تقوده السعودية منذ 26 آذار/مارس 2015.

يقع منزل العيني في المنطقة المدرجة على لائحة اليونيسكو للتراث العالمي، وكجزء من مدينة “صنعاء القديمة” التي صمدت لأكثر من 2500 عام، وتعد تحفة معمارية فريدة.

تتألف المدينة القديمة من حوالي تسعة آلاف منزل، بُنيت من الطين والحجارة السوداء، ويحيط بها سور ولها سبعة أبواب، أشهرها باب اليمن. وتحتوي في المدينة أسواق كثيرة أشهرها سوق الملح، وجوامع أثرية أشهرها الجامع الكبير.

تهديد غير مسبوق

وبالرغم من أن صنعاء “محصنة طبيعياً”، كما يرى مؤرخون، بسبب موقعها الجغرافي المحاط بالجبال، إلا أنها تعرضت لدورات عنف وحروب خلال التاريخ، أدت إلى تهدم وضياع آثار هامة فيها، أبرزها قصر غمدان الذي لم يعد له وجود إلا في كتب التاريخ، وهُدم في القرن الخامس الميلادي.

وخلال العقود الماضية بُذلت جهود حكومية وأخرى من الهيئات الدولية المهتمة بالتراث، بهدف الحفاظ على صنعاء القديمة.

وحتى عام 2015، كان الحديث جارياً عن أهمية حماية صنعاء من العواصف الطبيعية ومن النشاط العشوائي، ومع انطلاق عمليات عاصفة الحزم العسكرية، بدأت دورة تهديد غير مسبوقة للمدينة وآثارها التي صمدت قروناً من الزمن.

قضت عائلة العيني في منطقة “مقشامة الفليحي”، بالإضافة إلى قتلى من الجيران. وأدى القصف الأخير إلى تضرر 58 منزلاً بين أضرار كلية ومتوسطة وطفيفة، وفقاً لنائب رئيس الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية نبيل منصر لـ”اليمني”، الذي حمل التحالف المسؤولية الكاملة لقصف مدينة أثرية وخرق جميع المعاهدات الدولية التي تحرم التعرض للمدن والمناطق الأثرية. منصر أكد على أن المنظمات الدولية يجب أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه ما يجري من استهداف لتاريخ اليمن بصورة ممنهجة، بغض النظر عن الأسباب والمبررات.

قصف وتنديد

لم يكن قصف منزل العيني الحادث الأول الذي يطال المدينة مباشرة، فقد تأثرت المدينة القديمة في الفترة الماضية بقصف مواقع ومقرات عسكرية قريبة منها، أبرزها جبل “نُقم” في شرقي العاصمة، بالإضافة إلى قصف أهداف داخل صنعاء؛ ففي 12 حزيران/يونيو، وقع أول قصف مباشر على صنعاء القديمة، تهدم على إثره عدد من المنازل في “حي القاسمي” وقتل خمسة أشخاص على الأقل، وهي الحادثة التي لاقت إدانة واسعة.

وقالت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوموفا، في بيان، “إنني متأثرة جداً للخسائر في الأرواح البشرية، وكذلك للتدمير الذي لحق بواحدة من أقدم جواهر الحضارة الإسلامية. ولقد أصبت بصدمة جراء صور المنازل الرائعة البرجية ذات العديد من الأدوار والحدائق الهادئة التي نالها التدمير”.

Koumani3_08.10.

محمد شرف الدين، وهو أحد السكان الذين تضررت منازلهم بشكل كبير؛ مما أضطره إلى ترك منزله واستئجار شقة خارج صنعاء القديمة. يقول شرف الدين لـ”اليمني” إن سكان الحي عاشوا لحظات رعب وخوف، وإن الأطفال والنساء خرجوا إلى الشارع بعد سقوط الصاروخ على منزل العيني.

يضيف شرف الدين: “وقتها لم أدرك حقيقة ما حصل بالضبط، ولكني شعرت بهزة قوية في المنزل بعد صوت الانفجار وأيقنت بأنه تم قصفنا. لا أدري لماذا تم استهداف صنعاء القديمة وهم يعلمون علم اليقين أنها لا تمثل أي خطر عليهم ولا توجد فيها أسلحة، وإنما مساكن أثرية وسكان مدنيين، والواضح من خلال قصفهم لصنعاء القديمة أنه قصف عشوائي همجي”.
محمد يستذكر جيرانه الذين قتلوا في القصف بألم وحرقة، ويتمنى أن يعود قريباً إلى منزله الذي سكنه أسلافه منذ مئات السنين ويقول إن أولاده سيسكنون فيه من بعده.

الخوف من الانهيار الكبير

إسلام هائل، خبير الآثار، يؤكد ل”اليمني” بأن “بيوت صنعاء القديمة لا تتحمل التعرض لقصف صاروخي، لا سيما وأن منازل كثيرة أصبحت آيلة للسقوط. وبين وقت وآخر نسمع عن انهيار منزل داخل صنعاء القديمة. وحقيقة وليست مبالغة لو مرت شاحنة كبيرة في الحارات تهتز البيوت، ولولا العمارة الهندسية وترابط المنازل بعضها ببعض التي زادت من تماسكها لأصبحت المدينة في خبر كان.”

هائل أوضح أن المدينة تعاني من إهمال بسبب قلة الموارد التي لا تسمح للدولة بصيانة هذه المنازل والحمامات والأسواق وغيرها من معالم المدينة التاريخية، وأكد على ضرورة العمل على تصحيح الأخطاء الناجمة عن استحداثات جديدة مثل رصف الشوارع بطريقة زادت من رطوبة المنازل مما يسرع في سقوطها.

ويضيف: “أخاف أن نصحو يوماً، وأتمنى أن لا يكون قريباً، على أنقاض مدينة صنعاء القديمة، فنتائج الحصر الأولية تشير إلى تضرر منازل صنعاء القديمة وإصابتها بتشققات وانهيارات جزئية وكلية، وهي ناتجة عن عوامل كثيرة منها الانفجارات الكبيرة لغارات التحالف على جبل “نقم” القريب من صنعاء القديمة، والذي يؤثر في منازل حديثة، فكيف بصنعاء القديمة؟ وكذلك الأخطاء الناتجة عن رصف شوارع صنعاء بطريقة غبية؛ ما أدى إلى رطوبة في الأساسات الضعيفة أصلاً لمعظم منازل صنعاء القديمة، هذه الرطوبة أدت في أوقات سابقة إلى سقوط عدة منازل فوق ساكنيها وقتل في أحد تلك المنازل شخصان. ولا ننسى تأثير الأمطار الموسمية، التي تؤثر بشكل كبير على المدينة العتيقة. وآخر إحصائية أولية كانت مايقارب حوالي الأربعة آلاف منزل هي حصيلة المنازل المتضررة من كل هذه العوامل.”

هائل يختتم تعليقه لـ”اليمني” بخصوص استهداف صنعاء بالقول: “أنا لم أصدق وقتها أنهم استهدفوا صنعاء وكثير من أصدقائي الأجانب سألوني: هل فعلاً قصفت صنعاء؟ لأنها تمثل تاريخ للإنسانية وليس فقط لليمن، واستهدافها يعني استهداف التاريخ وليس الإنسان اليمني فحسب”.

Koumani2_08.10.

 
كنس بالصواريخ

يتداول يمنيون مقولة منسوبة لأحد زوار صنعاء الأجانب، في سبعينيات القرن الماضي، وهو سينمائي إيطالي “لو كنت رئيساً لبلديتها لكنستها كل صباح برموش عيني”، تعبيراً عن الجمال الذي تتمتع به المدينة وما يتعلق بها من آثار ونظام معماري وسكاني، وغير ذلك مما يُبهر الزائر. وتبدو مفارقة كبيرة اليوم، بين تلك المقولة وبين الطائرات الحربية التي “تكنس” صنعاء بالمقاتلات الحربية وأنواع الصواريخ.

وفي خضم مأساة قصف المدينة التاريخية، يستمر عدم الاكتراث بحياة البشر وبالآثار. والحادثة التي ألمت بعائلة “العيني”، ليست إلا واحدة من حوادث مشابهة عديدة، لأسر بأكملها ذهبت ضحية للقصف الجوي، وأخرى خلال المواجهات المسلحة. وفي كل يوم جديد تستمر فيه الحرب، يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من تهدم المواقع الأثرية.